القرطبي
227
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عطية : وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر . قلت : وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه ، وإنما ذلك إذا كان فيه ضرر على المؤمن ، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عور ماء قليب ( 1 ) بدر وقطع شجر الكافرين . وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في " هود ( 2 ) " إن شاء الله تعالى . ( وادعوه خوفا وطمعا ) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله عز وجل ، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته ، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان ، قال الله تعالى : " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم . وأن عذابي هو العذاب الأليم ( 3 ) " . فرجى وخوف . فيدعو الإنسان خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه ، قال الله تعالى : " ويدعوننا رغبا ورهبا ( 4 ) " . وسيأتي القول فيه . والخوف : الانزعاج لما لا يؤمن من المضار . والطمع : توقع المحبوب ، قال القشيري . وقال بعض أهل العلم : ينبغي أن يغلب ( 5 ) الخوف الرجاء طول الحياة ، فإذا جاء الموت غلب الرجاء . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) . صحيح أخرجه مسلم . قوله تعالى : ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) ولم يقل قريبة . ففيه سبعة أوجه : أولها أن الرحمة والرحم واحد ، وهي بمعنى العفو الغفران ، قاله الزجاج واختاره النحاس . وقال النضر بن شميل : الرحمة مصدر ، وحق المصدر التذكير ، كقوله : " فمن جاءه موعظة ( 6 ) " . وهذا قريب من قول الزجاج ، لأن الموعظة بمعنى الوعظ . وقيل : أراد بالرحمة الإحسان ،
--> ( 1 ) القليب ( بفتح القاف ) : البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها رب ولا حافر ، تكون في البراري . ( 2 ) راجع ج 9 ص 84 . ( 3 ) راجع ج 10 ص 34 . ( 4 ) راجع ج 11 ص 336 . ( 5 ) هذا يخالف ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام لو وزن خوف المؤمن ورجاءه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر ، وفى رواية " لاعتدلا " . وورد عن حذيفة رضي الله عنه حين احتضر : اللهم إنك أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرجاء والآن الرجاء فيك أمثل . ( 6 ) راجع ج 3 ص 347 .